وهبة الزحيلي
229
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
دينه ، أو علم أنه في غير بلده يكون أقوم بحق اللّه وأدوم على العبادة ، حقت عليه المهاجرة . فإن كان يستطيع إقامة شعائر دينه كالمقيمين في عصرنا في أوروبا وأمريكا ، فلا تجب الهجرة عليهم ، وإنما تسن ، ويكره مقامهم في دار الكفر . عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من فرّ بدينه من أرض إلى أرض ، وإن كان شبرا من الأرض ، استوجبت له الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام . اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني ، فاجعلها سببا في خاتمة الخير ، ودرك المرجوّ من فضلك ، والمبتغى من رحمتك ، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك بجوارك في دار كرامتك ، يا واسع المغفرة » « 1 » . فإن أولئك المقصرين عن القيام بالهجرة مسكنهم جهنم ، لتركهم ما كان مفروضا عليهم ؛ لأن الهجرة كانت واجبة في صدر الإسلام . وقبحت جهنم مصيرا لهم ؛ لأن كل ما فيها يسوءهم . ثم استثنى اللّه تعالى من أهل الوعيد : المستضعفين حقيقة الذين لا يجدون لديهم قدرة على الخروج لفقرهم أو عجزهم أو هرمهم مثل عياش بن أبي ربيعة ، وسلمة بن هشام « 2 » ، ومن النساء أم الفضل والدة ابن عباس ، ومن الولدان ( وهم المراهقون الذين قاربوا البلوغ ) ابن عباس المذكور وغيره . فهؤلاء لا يجدون قدرة على الهجرة إما للعجز كمرض أو زمانة ، وإما للفقر ، ولا يهتدون طريقا للجهل بمسالك الأرض ، قال ابن عباس : كنت أنا وأمي من
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 419 ( 2 ) ذكر ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة ، فقال : « اللهم خلص الوليد بن الوليد ، وعياش بن أبي ربيعة ، وسلمة بن هشام ، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ، ولا يهتدون سبيلا ، من أيدي الكفار » .